سيد محمد طنطاوي
359
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقد اقتصر ابن كثير على هذا الوجه في تفسيره للآية فقال : يقول - تعالى - : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أن للَّه شريكا من خلقه ، لو كان الأمر كما تقولون ، من أن معه آلهة تعبد . . لكان أولئك المعبودون يعبدونه ويتقربون إليه يبتغون إليه الوسيلة والقربة . « 1 » . ومع وجاهة الرأيين ، إلا أن الرأي الأول أظهر ، لأن في الآية فرض المحال ، وهو وجود الآلهة مع اللَّه - تعالى - ، وافتراض وجودها المحال لا يظهر منه أنها تتقرب إليه - سبحانه - ، بل الذي يظهر منه أنها تنازعه لو كانت موجودة ، ولأن هذا الرأي يناسبه - أيضا - قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( سُبْحانَه وتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً ) * . أي : تنزه اللَّه - تعالى - عما يقوله المشركون في شأنه وتباعد ، وعلا علوا كبيرا ، فإنه - جل شأنه - لا ولد له ، فلا شريك له . . . قال - تعالى - : قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ . اللَّه الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ . ولَمْ يَكُنْ لَه كُفُواً أَحَدٌ . والتعبير بقوله - سبحانه - : * ( إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ) * يشير إلى الارتفاع والتسامى على تلك الآلهة المزعومة ، وأنها دون عرشه - تعالى - وتحته ، وليست معه . . ثم بين - سبحانه - أن جميع الكائنات تسبح بحمده فقال - تعالى - : * ( تُسَبِّحُ لَه السَّماواتُ السَّبْعُ ، والأَرْضُ ومَنْ فِيهِنَّ ، وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ، ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) * . والتسبيح : مأخوذ من السبح ، وهو المر السريع في الماء أو في الهواء ، فالمسبح مسرع في تنزيه اللَّه وتبرئته من السوء ، ومن كل ما لا يليق به - سبحانه - . أي تنزه اللَّه - تعالى - وتمجده السماوات السبع ، والأرض ، ومن فيهن من الإنس والجن والملائكة وغير ذلك ، وما من شيء من مخلوقاته التي لا تحصى إلا ويسبح بحمد خالقه - تعالى - ، ولكن أنتم يا بني آدم « لا تفقهون تسبيحهم » لأن تسبيحهم بخلاف لغتكم ، وفوق مستوى فهمكم ، وإنما الذي يعلم تسبيحهم هو خالقهم عز وجل ، وصدق - سبحانه - إذ يقول : أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . والمتدبر في هذه الآية الكريمة ، يراها تبعث في النفوس الخشية والرهبة من الخالق - عز وجل - ، لأنها تصرح تصريحا بليغا بأن كل جماد ، وكل حيوان ، وكل طير ، وكل حشرة . .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 76 .